رضاييف في نواكشوط .. كاتب أذري هرب إلى العربية خوفا من الروسية
حين كان شابا في "باكو"، لم يكن تورال رضاييف يفكر كثيرا في السياسة أو السفارات. كان يريد دراسة السينما في موسكو، والاقتراب من عالم الكاميرا والقصص والصور الكبيرة. لكن الخوف من امتحان اللغة الروسية غيّر خططه بالكامل، فاختار دراسة العربية، دون أن يعرف أن ذلك القرار سيقوده لاحقا إلى ليبيا وسوريا والقاهرة، ثم إلى نواكشوط سفيرا لأذربيجان.
في صورته أمس داخل القصر الرئاسي، بدت ملامحه لا تشبه كثيرا صورة الدبلوماسي القادم من جمهوريات القوقاز الباردة، بل أقرب إلى أستاذ جامعي أو مثقف عربي قضى سنوات طويلة بين دمشق والقاهرة.
وربما يعود ذلك إلى حياته نفسها. فالرجل خرج من بيت أدب وفن أكثر مما خرج من بيت سياسة. والده أنار رضاييف واحد من أشهر الكتاب في أذربيجان، ووالدته زمفيرة صفروفا باحثة موسيقية معروفة، بينما ينتمي أجداده إلى أسماء ثقافية بارزة في البلاد. وسط ذلك العالم المليء بالكتب والموسيقى، كبر تورال وهو يحمل شيئا من الفنان حتى بعد دخوله وزارة الخارجية.
في الجامعة، بدأ العمل مترجما للمجموعات العربية القادمة إلى الاتحاد السوفيتي، ثم ذهب إلى ليبيا متدربا، وبعدها إلى سوريا للعمل مع عمال النفط السوفييت مترجما للغة العربية. هناك، بدأت علاقته الحقيقية بالعالم العربي؛ الأسواق القديمة، اللهجات، المقاهي، والسياسة التي كانت تعبر المنطقة في الثمانينيات والتسعينيات.
وعندما استقلت أذربيجان بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وجد نفسه يدخل وزارة الخارجية في بلد كان يحاول اكتشاف العالم بسرعة. صعد بهدوء داخل السلك الدبلوماسي، من ملحق إلى سفير، مستفيدا من لغته العربية وخلفيته الثقافية المختلفة عن كثير من الدبلوماسيين الأذريين.
في القاهرة، حيث شغل منصب سفير بلاده وممثلها لدى جامعة الدول العربية، بدا واضحا أن "باكو" كانت تراهن عليه لفتح أبواب العالم العربي سياسيا وثقافيا. كان يتحدث العربية بطلاقة، ويعرف كيف يتحرك داخل المزاج العربي دون برودة دبلوماسية زائدة.
لكن خلف الدبلوماسي، بقي الفنان حاضرا. رضاييف يكتب القصص الساخرة، ويرسم اللوحات، وكتب سيناريو فيلم تلفزيوني، ويقول إنه يملك عشرات اللوحات الفنية في منزله. حتى طريقته في الحديث تبدو أقرب إلى حكّاء شرقي أكثر من موظف بروتوكول جامد.
واليوم، يصل إلى موريتانيا في لحظة تحاول فيها أذربيجان توسيع حضورها خارج فضائها التقليدي. فباكو، التي أصبحت لاعبا مهما في الغاز والطاقة والنقل بين آسيا وأوروبا، تبحث أيضا عن شركاء جدد في إفريقيا والعالم الإسلامي.
وموريتانيا بالنسبة للأذريين هي بوابة غرب إفريقيا، وبلد يملك موقعا استراتيجيا وثروات غازية متصاعدة، إضافة إلى ثقله داخل الفضاء الإسلامي والإفريقي.
ربما تأسر نواكشوط؛ الرجل الحالم والمثقف يكون قد وجد أخيرا مدينة تشبه قصته: بعيدة، هادئة، ومفتوحة على أكثر من عالم.

