حِبر

من الفرن لمطبخ الحكومة.. حكاية "جعفر العمدة"

ت
تحرير حِبر
3 يونيو 2026·3 دقائق قراءة·67 قارئ
من الفرن لمطبخ الحكومة.. حكاية "جعفر العمدة"

في قرية صغيرة تدعى "أدباي لمبيديع"، على بعد نحو 18 كيلومترا شرق مقاطعة امبود، ازداد حمزة ولد جعفر يوم 12 يونيو 1986. هناك، في سهول الضفة التي يعيش أهلها على الزراعة وتصارع الفقر منذ عقود، بدأت الحكاية.

كانت القرية جزء مما يعرف محليا بـ"مثلث الفقر"، لكنها كانت أيضا فضاء للنقاش السياسي. ففي المجالس الشعبية والتجمعات القروية كانت الانقسامات حادة بين أنصار الحزب الجمهوري وأنصار اتحاد قوى التقدم المعارض الراديكالي، وكانت السياسة حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية كما تحضر الزراعة ومواسم الأمطار.

في تلك البيئة نشأ حمزة، الابن الذكر الوحيد لوالدته التراد بنت سليمان. درس في مدرسة "أدباي لمبيديع"، التي تعد من أقدم المدارس الابتدائية إن لم تكن الأولى في المنطقة، قبل أن يغادر قريته نحو امبود لمواصلة الإعدادية، ثم إلى كيهيدي حيث أكمل دراسته الثانوية.

خلال تلك السنوات كانت مدينة كيهيدي تعيش على وقع نقاشات الهوية والعدالة الاجتماعية وقضية "لحراطين" وكان خطاب التحالف الشعبي التقدمي بزعامة مسعود ولد بلخير يطغى على الساحة السياسية، خاصة خلال الانتخابات الرئاسية لعام 2007. هناك بدأت تنضج ملامح وعيه السياسي الأول.

حصل على الباكلوريا الأدبية عام 2011، ويقول مقربون منه إنه كان على الأرجح أول أو ثاني شاب من قريته ينال هذه الشهادة، بعد ذلك درس التاريخ والحضارة في الجامعة، حيث حصل على الليصانص ثم الماستر.

لكن الدراسة لم تكن المسار الوحيد في حياته. فمثل كثير من أبناء منطقته عرف مبكرا قسوة العمل. اشتغل في مجال صناعة الخبز منذ سنوات الدراسة الثانوية، وعمل في المخابز قبل أن يمتلك لاحقا مغسلة للملابس في نواكشوط.

في عام 2008 انتقل نهائيا إلى العاصمة، وهناك انخرط في العمل الحقوقي والسياسي. انضم إلى حركة "إيرا"، قبل أن يغادرها عام 2017 ضمن المجموعة التي كان من أبرز وجوهها السعد ولد لوليد.

لاحقا اتجه إلى العمل السياسي المباشر. ترشح نائبا عن دائرة امبود سنة 2018 دون أن ينجح، ثم خاض تجربة أخرى عام 2023 صنعت اسم حمزة ولد جعفر. وبين المحاولتين ظل حاضرا في المجال الاجتماعي والتعليمي، حيث أطلق تجربة مدارس حرة حملت اسم "ولد امسيكه"، وكانت تجربة غير ربحية يصفها السكان بأنها ساهمت في تكوين عدد من أفضل التلاميذ في المنطقة.

لكن المحطة الأبرز في مساره جاءت مع الانتخابات البلدية في "توكبره" التي اتخذت اسمها من الحفر في الأرض. كانت معركة طويلة ومعقدة، تنافس فيها مع مرشحين مدعومين من أحزاب ذات حضور قوي، من بينها الحزب الحاكم. وبعد جولات من الطعون والإجراءات القضائية وصلت القضية إلى المحكمة العليا التي أقرت تنظيم شوط ثالث، انتهى بإعلانه عمدة للبلدية.

عرف حمزة ولد جعفر خلال السنوات الأخيرة بتصريحاته وتدويناته المثيرة للجدل أحيانا، خصوصا في البودكاستات والحوارات الإعلامية التي تناولت قضايا التفاوت الاجتماعي والتمثيل السياسي. وهو يرى أن المجتمعات التي تعاني من التهميش لا بد أن ترفع صوتها للمطالبة بحقوقها، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن التعايش يظل الخيار الوحيد القادر على تجنيب البلاد الصراعات والانقسامات.

واليوم، وبعد تعيينه مستشارا في وزارة تمكين الشباب مكلفا بالشباب، ينتقل حمزة ولد جعفر من فضاء البلديات والجدل السياسي المحلي إلى موقع جديد داخل الإدارة المركزية.

إنها رحلة بدأت في قرية زراعية فقيرة ، مرورا بالأفران وقاعات الدراسة والانتخابات والبلديات، لتنتهي - على الأقل في هذه المرحلة - إلى مكتب في وزارة يفترض أن يكون الشباب عنوانها الأول.