نواذيبو تحت الأرض.. الأنفاق التي حفرتها فرنسا في بورت إتيان
على شريط رملي يلتقي فيه المحيط الأطلسي بالصحراء، قامت نواذيبو. مدينة يوقظها هدير البحر وتعيد الرياح رسم أطرافها كل يوم. هنا، عند «الرأس الأبيض»، تعايشت السفن والرمال منذ أكثر من قرن وبين الأحياء القديمة التي نمت حول الميناء، بقيت آثار مرحلة كانت فيها المدينة تعرف باسم «بورت إتيان»، حين تحولت إلى واحدة من أهم القواعد الفرنسية على الساحل الأطلسي.
ومن بين أكثر ما بقي في ذاكرة سكان المدينة شبكة من الأنفاق والممرات الأرضية التي ارتبط بها اسم حي «الغيران»، أحد أقدم أحياء نواذيبو.
ويربط سكان ومهتمون بتاريخ المدينة اسم الحي بهذه الأنفاق التي حفرتها السلطات الاستعمارية الفرنسية سنة 1910، مع توسع الوجود العسكري في المدينة، ووفق الروايات المتداولة، كانت هذه الممرات تمتد تحت الأرض لعدة كيلومترات، وتربط بين مواقع عسكرية وإدارية ومنشآت حيوية داخلها.
فمن المطار القديم جنوب نواذيبو، كانت الأنفاق تمر عبر منطقة «كراع النصراني» و«الغيران»، قبل أن تتجه نحو القاعدة العسكرية «فور لورمير» والقاعدة البحرية «نيشون فيل»، وصولا إلى مباني الشركة الصناعية للصيد (SIGP)، المعروفة لدى سكان المدينة باسم «لعريگيب».
وكان موقع «بورت إتيان» المطل على خليج الرأس الأبيض يمنحها أهمية خاصة بالنسبة للإدارة الاستعمارية الفرنسية، سواء من الناحية العسكرية أو البحرية. ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية تعززت التحصينات في المدينة، وتوسعت المنشآت الدفاعية في عدد من المواقع الساحلية.
وفي أواخر الثلاثينيات وبداية الأربعينيات شملت الأعمال منطقة «البونتيه»، حيث حفرت ممرات إضافية قرب أول مبنى مراقبة شيد سنة 1880 لحماية الميناء في خليج الرأس الأبيض «باي دو لوفريي»، وهو الموقع الذي استخدم لمراقبة الحركة البحرية على هذا الجزء من الساحل الأطلسي.
وحملت المدينة اسم «بورت إتيان» نسبة إلى السياسي الفرنسي أوجين إتيان، أحد أبرز المدافعين عن المشروع الاستعماري الفرنسي في شمال وغرب إفريقيا مطلع القرن العشرين. ومن هذا الموقع أدارت فرنسا جانبا من نشاطها العسكري والبحري على الساحل، قبل أن تستعيد المدينة اسمها الموريتاني «نواذيبو» بعد الاستقلال.
اليوم يصعب تتبع مسار هذه الأنفاق أو تحديد امتدادها بدقة. بعض مداخلها اختفى تحت الأبنية الحديثة، فيما غطت الرمال والقمامة أجزاء أخرى منها، كما تحولت مواقع ارتبطت ببدايات المدينة إلى أماكن مهملة تتنازعها الأتربة والقمامة.
ويقول مهتمون بتاريخ نواذيبو إن ما تبقى من معالمها يواجه خطر الاندثار في غياب جهود منظمة للتوثيق والحفظ، فالأبراج القديمة والمنشآت العسكرية والمباني التي رافقت نشأة المدينة الحديثة تتراجع عاما بعد آخر، بينما تختفي تفاصيل من ذاكرة المكان مع كل موسم يمر.
اليوم تبدو نواذيبو مدينة مختلفة؛ مصانع للصيد، وأرصفة مزدحمة بالسفن وورش صناعية، وميناء يعد شريانا للاقتصاد الوطني، ورغم ضغط المصانع والأثر البيئي لا تزال نواذيبو تمنح سكانها هواء الكناري النقي في بلد صحراوي جاف.

