من أرض الحكمة لأرض الشعر.. كاتابوديس تعبر نواكشوط بسحر الكيمياء
في القصر الرئاسي بنواكشوط، كانت تيسا كاتابوديس تمشي بخفة رغم عمرها الذي يناهز السبعين، تحمل شنطة بسيطة وتسير بحكمة وخطى واثقة، بجانبها يسير مدير البروتوكول في الرئاسة الحسن ولد محمد وهو يوزع ابتسامته، ويتحدث بإنجليزية تفهمها الدبلوماسية الجديدة لليونان، فقط امرأة تعرف جيدا كيف تدخل الأماكن بهدوء.
حتى ملابسها بدت وكأنها جاءت من مدينة متوسطية مطلة على البحر؛ ألوان خفيفة، نظارات داكنة، وسترة فضفاضة لا تحاول منافسة ثقل القصر الرمادي ولا حرارة نواكشوط.
لكن خلف هذا الهدوء تقف امرأة أمضت سنوات طويلة داخل أكثر غرف العالم برودة وتعقيدا؛ بروكسل، الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي.
قبل أن تصبح دبلوماسية، كانت تيسا كاتابوديس تدرس الكيمياء الحيوية في جامعة نيويورك. وربما لهذا تبدو مختلفة قليلا عن كثير من الدبلوماسيين؛ فهي تتحرك بعقلية الكيميائيين أكثر من عقلية السياسيين، تراقب، تحلل، توازن العناصر، ثم تتحدث.
في بروكسل، دخلت عالم الاتحاد الأوروبي من بابه الثقيل؛ ملفات العلاقات الخارجية، الأمن، المتوسط، والتوازنات الدقيقة التي تجعل أوروبا تبدو أحيانا كمعادلة معقدة أكثر من كونها قارة.
أما نيويورك، فقد أخذتها إلى قلب الأمم المتحدة، حيث اشتغلت على ملفات الإرهاب والقانون الدولي داخل البعثة اليونانية. وهناك، بين الاجتماعات الطويلة واللغة الدبلوماسية الحادة، تعلمت كيف يمكن للكلمات الصغيرة أن تغيّر مواقف دول كاملة.
ورغم هذا المسار الثقيل، لا تبدو كاتابوديس امرأة تحب الضجيج.
حتى في صورها اليوم، كانت تشبه أساتذة الجامعات أكثر من نجوم السياسة؛ نظرة مستقرة، حركة خفيفة، وملامح امرأة قرأت العالم أكثر مما حاولت السيطرة عليه.
«كاتابوديس» قادمة من اليونان؛ بلاد الحكمة القديمة، حيث خرج أفلاطون وأرسطو والأساطير الأولى للمتوسط. لكنها تصل أيضا إلى بلد يعرف نفسه بالشعر والرمل والنخيل الممتد على أطراف الصحراء والكثبان التي تعانق الأطلسي.
وفي لحظة مرورها بين الحرس الرئاسي الموريتاني، بدا المشهد وكأنه لقاء بين مكتبتين قديمتين؛ مكتبة البحر الأبيض المتوسط، ومكتبة الصحراء.
اليوم، تصل تيسا كاتابوديس إلى موريتانيا في وقت تنظر فيه أوروبا إلى الأطلسي والساحل باعتبارهما جزءا من خرائطها الجديدة؛ الهجرة، الطاقة، الأمن البحري، والغاز. وهي ملفات تبدو مناسبة تماما لدبلوماسية جاءت إلى السياسة من باب “الكيمياء".

