حيداره.. دبلوماسي براغماتي يسعى لمد جسور نواكشوط وكوت ديفوار
بخطوات هادئة ونظارات سوداء تخفي جزءا من ملامحه، عبر مامادو حيدراه السجاد الأحمر في القصر الرئاسي بنواكشوط، مقدما أوراق اعتماده للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني سفيرا فوق العادة وكامل السلطة لجمهورية كوت ديفوار لدى موريتانيا.
خلف ذلك المشهد البروتوكولي، يقف رجل تنقل لسنوات بين بذلة الرياضة وقاعات الاقتصاد وربطات العنق الدبلوماسية، قبل أن يصبح أحد الوجوه المقربة من دوائر القرار في أبيدجان.
لا يبدو حيدراه من نوع الدبلوماسيين الذين يصنعون حضورهم بالتصريحات الصاخبة أو الظهور الإعلامي المكثف. شخصيته أقرب إلى رجال الأعمال الذين يفضلون بناء العلاقات بهدوء، وهو ما يفسر المسار غير التقليدي الذي قاده من عالم المال والاستثمار إلى أهم المناصب الدبلوماسية في بلاده.
درس حيدراه في أبيدجان قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة لمتابعة دراساته العليا في الإدارة والاقتصاد، متنقلا بين جامعات أمريكية بينها Strayer University وUniversity of California Los Angeles. هناك، تشكلت نظرته العملية للعالم، وبدأ اهتمامه بالاقتصاد والعلاقات الدولية يتجاوز حدود كوت ديفوار نحو فضاء دولي أوسع.
عند عودته إلى غرب إفريقيا، بدأ العمل محللا ماليا في داكار داخل شركة T & B Investments، وهي تجربة منحته احتكاكا مبكرا بعالم الأعمال في المنطقة. وبعدها تنقل بين مناصب اقتصادية وإدارية عدة، من بينها إدارة شركة GSC في أبيدجان، ثم منصب مدير إفريقيا في مجموعة AFIMEX الفرنسية بمدينة ليون.
لكن التحول الأبرز في مسيرته جاء عندما أصبح رئيسا لمجلس إدارة الشركة الوطنية الإيفوارية للأشغال “SONITRA” بين 2011 و2017، وهي المرحلة التي قربته أكثر من النخبة السياسية والاقتصادية في كوت ديفوار، خصوصا مع صعود الرئيس الحسن واتارا، المعروف باهتمامه برجال الاقتصاد والتكنوقراط.
وفي موازاة عالم الأعمال، ظل حيدراه محافظا على ارتباطه بالرياضة. يشغل منذ سنوات منصب نائب رئيس نادي “Abidjan Basketball Club”، أحد أبرز أندية كرة السلة في كوت ديفوار. ويقول مقربون منه إن الرياضة بالنسبة له ليست مجرد هواية، بل مدرسة للانضباط وإدارة الفرق وبناء العلاقات، وهي فلسفة رافقته لاحقا في العمل الدبلوماسي.
عام 2018، اقتحم حيدراه عوالم الدبلوماسية، حين عين سفيرا لكوت ديفوار لدى الولايات المتحدة. في واشنطن، قدم نفسه بصفته دبلوماسيا اقتصاديا أكثر من كونه سياسيا تقليديا. ركز على جذب الاستثمارات والترويج لصورة بلاده كقوة اقتصادية صاعدة في غرب إفريقيا، وبنى شبكة علاقات داخل دوائر المال والأعمال الأمريكية.
وخلال سنواته في الولايات المتحدة، عرف أيضا بقربه من الجالية الإيفوارية واعتماده ما تصفه الصحافة الإيفوارية بـ”دبلوماسية القرب”، حيث فضل الحضور في الأنشطة الاقتصادية والثقافية واللقاءات المجتمعية على الاكتفاء بالمناسبات الرسمية المغلقة.
بعد انتهاء مهمته في واشنطن، عاد إلى الرئاسة الإيفوارية مستشارا دبلوماسيا، وهو منصب يعكس حجم الثقة التي يحظى بها داخل النظام الإيفواري، قبل أن يعين لاحقا سفيرا لدى السنغال، ثم سفيرا معتمدا لدى موريتانيا.
كما يرأس حيدراه “الدائرة الليبرالية في كوت ديفوار”، وهي هيئة سياسية وفكرية قريبة من التيار الداعم للرئيس واتارا، ما جعله يجمع بين عالم الأعمال والسياسة والدبلوماسية في آن واحد.
ويصل مامادو حيدراه إلى نواكشوط في مرحلة تتجه فيها العلاقات الموريتانية الإيفوارية نحو مزيد من التقارب، خصوصا في ملفات الأمن والاستثمار والتعاون الاقتصادي داخل فضاء غرب إفريقيا، وهي ملفات تبدو منسجمة تماما مع مسار رجل أمضى سنواته متنقلا بين الاقتصاد والدبلوماسية.

