بيرت باس.. سيدة المدن البعيدة تصل نواكشوط بخفة دبلوماسية
حين دخلت بيريت باس القصر الرئاسي في نواكشوط، لم تبدُ أسيرة لذلك البروتوكول الثقيل الذي يرافق عادة مراسم تقديم أوراق الاعتماد؛ فستان أخضر داكن خفيف، نظارات وابتسامة هادئة، وحقيبة عمل سوداء تحملها بنفسها بينما تعبر السجاد الأحمر تحت شمس مايو الحارقة وكأنها قطعة ثلج تسارع خطاها لدخول قصر "ايلو سي" البارد.
في الصورة، بدت السفيرة الدنماركية أقرب إلى امرأة اعتادت المدن الكبرى والمطارات الطويلة والاجتماعات الدولية أكثر من كونها دبلوماسية جاءت لتؤدي طقسا بروتوكوليا عابرا. وربما هذا الانطباع ليس بعيدا عن حقيقتها.
فبيريت باس أمضت أكثر من أربعة عقود متنقلة بين نيويورك وآسيا وإفريقيا وأوروبا، حاملة معها سيرة دبلوماسية صنعتها المؤسسات الدولية والاقتصاد العالمي أكثر مما صنعتها السياسة التقليدية.
بدأت رحلتها سنة 1991 داخل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في نيويورك، في مدينة كانت آنذاك تختصر العالم كله؛ المال والسياسة والهجرة والأمم المتحدة والعولمة الصاعدة. هناك، دخلت الدبلوماسية الدنماركية الشابة عالم التعاون الدولي والتنمية، قبل أن تنتقل لاحقا إلى السنغال، حيث اقتربت للمرة الأولى من غرب إفريقيا ومن التحولات الاجتماعية والاقتصادية في المنطقة.
ومنذ ذلك الوقت، تنقلت بين عدد من العواصم والمهام الدولية. عملت في أوغندا وألمانيا، ثم صعد اسمها داخل الخارجية الدنماركية باعتبارها من الوجوه المتخصصة في الدبلوماسية الاقتصادية والشراكات الدولية.
وفي سنغافورة وبروناي، حيث شغلت منصب سفيرة الدنمارك بين 2012 و2016، اقتربت أكثر من عالم التكنولوجيا والأسواق والطاقة والاقتصاد الآسيوي السريع. هناك كانت تمثل بلدا صغيرا جغرافيا لكنه مؤثر عالميا في ملفات الابتكار والطاقة الخضراء والاقتصاد الحديث.
وعندما عادت إلى كوبنهاغن، تولت إدارة التصدير والابتكار والشؤون العامة العالمية داخل وزارة الخارجية الدنماركية، وهو منصب يختصر طبيعة شخصيتها المهنية؛ امرأة تفكر بلغة الأسواق والعلاقات الدولية أكثر من لغة الشعارات السياسية.
درست التجارة الدولية والتواصل بين الثقافات في Copenhagen Business School، ثم حصلت لاحقا على Executive MBA، وهو مسار أكاديمي يفسر حضورها العملي الهادئ وطريقتها المرنة في إدارة العلاقات الدولية.
ولا تظهر تفاصيل كثيرة عن حياتها الخاصة، فالسفيرة الدنماركية تنتمي إلى ذلك النموذج الإسكندنافي الذي يفصل بدقة بين الحياة الشخصية والعمل العام. حضورها الرقمي نفسه يبدو مهنيا وهادئا؛ صور من اجتماعات، لقاءات اقتصادية، ومؤتمرات دولية أكثر من أي استعراض شخصي.
اليوم، تصل بيريت باس إلى نواكشوط في وقت أصبحت فيه موريتانيا جزءا من النقاش الأوروبي حول الطاقة والهجرة والاستقرار في الساحل والهيدروجين الأخضر. وهي ملفات تبدو منسجمة تماما مع مسار امرأة صنعتها المدن البعيدة، وعبرت العالم بخفة دبلوماسية لا يقيدها البروتوكول.

