حِبر

الجيلاني.. عاش بين الموانئ ويحط في نواكشوط بخبرة ثمانية عقود

ت
تحرير حِبر
22 مايو 2026·2 دقائق قراءة·11 قارئ
الجيلاني.. عاش بين الموانئ ويحط في نواكشوط بخبرة ثمانية عقود

على سجادة القصر الرئاسي الحمراء، كان سييد عادل الجيلاني يمشي ببطء رجل تجاوز الثمانين، يشير بيده أحيانا كمن يبحث عن توازن إضافي، وربما يحاول أن يستند بخفة على مدير التشريفات المرافق له.

لم يكن يحمل عكازا، لكنه بدا مستندا إلى شيء آخر؛ سنوات طويلة من الخبرة بين الموانئ والخرائط والملفات الثقيلة، أكثر مما يستند على خطواته نفسها.شعره الأبيض الكثيف ونظارته الداكنة منحاه ملامح مهندس متقاعد أكثر من سفير جاء لتقديم أوراق اعتماده.

في الثمانين من عمره، يصل الجيلاني إلى موريتانيا حاملا نصف قرن من العمل بين مشاريع البنية التحتية والموانئ ومكافحة الفساد، قبل أن يدخل عالم الدبلوماسية متأخرا، كأن حياته لم تكن تكتفي بمهنة واحدة.

ولد سنة 1944، قبل استقلال باكستان بسنوات قليلة، وعاش جيلا كاملا من التحولات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي صنعت الدولة الباكستانية الحديثة. درس الهندسة المدنية في كراتشي خلال ستينيات القرن الماضي، حين كانت البلاد تحاول بناء نفسها بسرعة عبر الجسور والموانئ والسدود والطرق الكبرى.

ومنذ بداياته، بدا أقرب إلى رجال المشاريع الثقيلة منه إلى السياسيين. عمل في ملفات مرتبطة بالموانئ والبنية التحتية، وشارك في مشاريع مثل ميناء كراتشي وميناء "غوادر"، وهي منشآت أصبحت لاحقا جزء من الرؤية الاقتصادية لباكستان. وحتى عندما غادر إلى إفريقيا، لم يحمل حقيبة دبلوماسية، بل خرائط ومخططات هندسية قادته إلى نيجيريا حيث عمل سنوات وسط الورش والرافعات والحديد.

لكن حياة الجيلاني لم تبق داخل عالم الإسمنت. فمع الوقت، دخل إلى ملفات أكثر حساسية؛ الإدارة والحوكمة والفساد. وأصبح لاحقا أحد أبرز الأسماء المرتبطة بالشفافية في باكستان، بعد قيادته فرع منظمة الشفافية الدولية في بلاده، ومشاركته في إعداد الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد.

في الصحافة الباكستانية، يُنظر إليه أحيانا باعتباره من ذلك الجيل الإداري القديم الذي يعرف كيف تتحرك الدولة من الداخل؛ رجال الملفات الثقيلة أكثر من رجال الخطابات والشعارات.

وحين دخل عالم السفارات، لم يدخله شابا يسعى إلى صناعة مجد شخصي، بل رجلا جاء بعد عمر طويل من الإدارة والهندسة والعمل العام، وحتى في ظهوره الرسمي، يبدو أقرب إلى خبير دولي أو أستاذ جامعي منه إلى دبلوماسي كلاسيكي.

اليوم، يصل الجيلاني إلى نواكشوط في لحظة تحاول فيها باكستان العودة إلى إفريقيا عبر الاقتصاد والموانئ والطاقة والتعاون العسكري. فإسلام آباد تنظر إلى الساحل الأطلسي وغرب إفريقيا باعتبارهما مساحة جديدة للمصالح البحرية والتجارية، بينما تبدو موريتانيا بالنسبة لها نقطة هادئة عند بوابة الأطلسي وسط عالم يعيد ترتيب طرق التجارة والطاقة والهجرة.

وربما لهذا اختارت باكستان رجلا مثله تحديدا؛ مهندسا يفهم الموانئ قبل السياسة، وخبيرا يعرف كيف تتحرك التجارة قبل البروتوكول، ورجلا قضى حياته بين الخرائط والبحار والملفات المعقدة، قبل أن يصل أخيرا إلى نواكشوط بخطوات بطيئة، لكن بذاكرة ثقيلة تكفي لبلاد كاملة.