على الطرف الشمالي الغربي من نواذيبو، حيث تنتهي الرمال داخل المحيط الأطلسي، تبدو المدينة وكأنها تعيش على إيقاع الحديد والبحر، هنا تصل قطارات المناجم القادمة من عمق الصحراء، وتعود قوارب الصيد قبل الفجر محملة بثروة بحرية ظل الاقتصاد الموريتاني يعيش عليها لعقود وبطاقة تعريف للبلاد في مطاعم العالم.
ولسنوات طويلة، ارتبط اسم نواذيبو عالميا بـ”مقبرة السفن”، بعدما تحولت خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي إلى محطة أخيرة لسفن أنهكتها البحار. ناقلات نفط وسفن صيد وشحن جاءت من أوروبا وآسيا وإفريقيا، بعدما صار التخلي عنها داخل الخليج أقل تكلفة من تفكيكها قانونيا في موانئ أخرى.
ووفقا لتقرير نشره موقع Sisi Afrika فقد تراكم أكثر من 300 حطام سفينة قرب الساحل، حتى بدا الخليج وكأنه متحف حديدي شيد على حافة الأطلسي.
وأشار التقرير إلى أن أقدم سفينة ارتبطت بتاريخ المقبرة كانت الطراد الفرنسي “شاسلوب-لوبا” الذي انتهى به المطاف في نواذيبو سنة 1926، قبل عقود من توسع ظاهرة السفن المهجورة داخل الخليج.
أما أشهر السفن التي علقت في المكان، فكانت سفينة التبريد المغربية “يونايتد ماليكا”، البالغ طولها نحو 118 مترا، والتي جنحت قرب "كاب بلاه" يوم 4 أغسطس 2003 أثناء نقل شحنة أسماك من لاس بالماس الإسبانية. وتحولت السفينة لسنوات إلى أشهر معالم المدينة البصرية، قبل أن تكشف صور الأقمار الصناعية الحديثة اختفاء معظم أجزائها بعد تفكيكها تدريجيا.
على الشاطئ توجد سفن صيد سوفياتية وأوروبية قديمة وسفن تبريد ظلت عالقة لعقود داخل الخليج، وتحولت هياكلها الصدئة إلى جزء من المشهد البحري للمدينة.
لكن المدينة التي عاشت تحت ظل السفن المهجورة كانت تبني في الوقت نفسه اقتصادا بحريا ضخما. فميناء الصيد التقليدي توسع بشكل هائل، وآلاف القوارب الخشبية غطت الساحل، لتتحول نواذيبو تدريجيا إلى واحدة من أهم موانئ الصيد في غرب إفريقيا.
صور الأقمار الصناعية التي وثقت المدينة خلال العقد الأخير تكشف حجم التحول؛ ففي 2015 كانت السفن الصدئة ما تزال تفرض حضورها على الخليج، بينما تبدو صور 2025 أقرب إلى مدينة بحرية مزدحمة بقوارب الصيد ومنشآت تخزين ومعالجة الأسماك.
وفي محاولة لإعادة رسم صورة المدينة، حولت الحكومة الموريتانية نواذيبو إلى منطقة حرة سنة 2013، أملا في تحويلها إلى قطب اقتصادي واستثماري على الساحل الأطلسي.
ورغم ذلك، ما تزال المدينة تحتفظ بشيء من صورتها القديمة؛ هياكل صدئة قرب الساحل، وأحياء تعيش على البحر والخردة والأسماك، وذاكرة طويلة لمدينة كانت النهاية الأخيرة لسفن العالم، حتى المنطقة الحرة المستحدثة تحولت لشبه هيكل إحدى السفن التي ألقت عصا الترحال في نواذيبو.
وخلال السنوات الأخيرة، أضيف إلى هذه الصورة وجه آخر؛ فنواذيبو أصبحت أيضا واحدة من آخر محطات المهاجرين غير النظاميين قبل الإبحار نحو جزر الكناري الإسبانية، حيث تتحول بعض شواطئها ليلا إلى نقاط انتظار لقوارب صغيرة تحمل حلما بالعبور إلى جنة العالم المتخيلة في أعين المهاجرين الذين يحملون أرواحهم سبيلا لنيل الخلود فيها.

