موريتانيا في قلب تحولات الساحل.. دراسة للمعهد الملكي الإسباني إلكانو تحذر من إعادة تشكيل النظام الأمني بفعل توسع فيلق إفريقيا الروسي
سلطت دراسة صادرة عن المعهد الملكي الإسباني إلكانو (Real Instituto Elcano) الضوء على التحولات المتسارعة في المشهد الأمني بمنطقة الساحل الإفريقي، في ظل تصاعد النفوذ الروسي عبر ما يعرف بـفيلق إفريقيا (Africa Corps)، وتراجع الحضور الغربي، وهو ما يعيد، بحسب الدراسة، رسم موازين القوى في المنطقة.
وتشير الدراسة إلى أن فيلق إفريقيا يمثل انتقالا من نموذج فاغنر غير الرسمي إلى بنية عسكرية أكثر مؤسسية تابعة لوزارة الدفاع الروسية، ما يعكس توجه موسكو نحو ترسيخ وجود طويل الأمد في دول مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر.
وبحسب التحليل، يقوم النموذج الروسي في الساحل على دعم الأنظمة العسكرية الحاكمة وتعزيز السيطرة الميدانية، بدل التركيز على بناء المؤسسات أو تعزيز الحكم الرشيد، وهو ما يمنح مكاسب سريعة للسلطات العسكرية، لكنه يرفع في المقابل من مخاطر عدم الاستقرار على المدى المتوسط.
وتحذر الدراسة من أن هذا النهج يؤدي إلى تفاقم عدة تحديات أمنية واجتماعية، من بينها تصاعد الانتهاكات في مناطق النزاع، وزيادة السخط الشعبي، وتوسع نشاط الجماعات المسلحة، إضافة إلى تآكل ثقة السكان في مؤسسات الدولة.
كما تتناول الدراسة البعد الإعلامي في الاستراتيجية الروسية، مشيرة إلى اعتماد موسكو على وسائل إعلام وشبكات رقمية وحملات تضليل، تهدف إلى إعادة تشكيل الرأي العام في دول الساحل، من خلال تقديم روسيا كحليف سيادي مقابل تصوير الدول الغربية كقوى تدخلية.
وفي ما يتعلق بالانعكاسات الإقليمية، تؤكد الدراسة أن موريتانيا تحتل موقعا محوريا في معادلة الأمن بالساحل، باعتبارها الشريك الأكثر استقرارا للاتحاد الأوروبي وحلف الناتو في المنطقة، لكنها تواجه في الوقت نفسه ضغوطا متزايدة نتيجة تدهور الوضع الأمني في دول الجوار وتوسع النفوذ الروسي.
وتشير إلى أن هذه التطورات تنعكس بشكل مباشر على أوروبا، من خلال زيادة مخاطر الهجرة غير النظامية، وتوسع التهديدات الأمنية، وارتفاع مستوى عدم الاستقرار على طول الجناح الجنوبي.
كما تلفت الدراسة إلى أن المشهد في الساحل يشهد تنافسا متزايدا بين قوى دولية متعددة، لا تقتصر على روسيا، بل تشمل أيضا الصين وتركيا، عبر أدوات اقتصادية وعسكرية وتنموية مختلفة.
وتخلص دراسة المعهد الملكي الإسباني إلكانو إلى أن فيلق إفريقيا أصبح أداة رئيسية في الاستراتيجية الروسية لإعادة تشكيل النظام الأمني في الساحل، في وقت تجد فيه موريتانيا نفسها في قلب بيئة إقليمية شديدة التعقيد تتداخل فيها التهديدات الأمنية مع المنافسة الجيوسياسية الدولية.

