باحث إسباني: الموريتانيون أسهموا في تكوين في تشكيل الهوية الاندلسية
قال الباحث والأكاديمي الإسباني الدكتور إڭناسيو ڭوميز بينيتا إن الثقافة العربية تركت بصمة عميقة في رواية "دون كيشوت" لمؤلفها ميغيل دي ثيرفانتس، معتبرا أن تجاهل هذا البعد الثقافي في الدراسات الإسبانية يعود إلى النظر إلى الرواية بوصفها تجسيدا خالصا للقيم الإسبانية.
وخلال محاضرة ألقاها باللغة العربية الفصحى في موريتانيا الشهر الماضي، ضمن ندوة تناولت حضور اللغة والثقافة العربية في رواية"دون كيشوت"، قال الباحث القادم من مدينة مدريد، والذي يزور موريتانيا للمرة الأولى، إن اللغة العربية "هي اللغة الثانية في إسبانيا بعد اللاتينية"، مضيفا أنه "لا بد أن نقر بأن الإخوة الموريتانيين شاركوا، بدرجة أكبر مما يظن البعض، في تطوير الهوية الأندلسية وفي مسار الدراسات المرتبطة بها".
ووصف ڭوميز بينيتا رواية "دون كيشوت" بأنها "فريدة من نوعها"، مشيرا إلى أنها استخدمت التهكم بطريقة مبدعة، وقدمت شخصياتها الرئيسية بصورة غير مسبوقة في الأدب الأوروبي، وهو ما أسهم في ترجمتها إلى أكثر من مئة لغة حول العالم.
وأوضح أن اللغة العربية حاضرة بقوة في نسيج الرواية، غير أن الباحثين الإسبان لم يولوا اهتماما كافيا بالبحث في الأصول العربية والثقافة العربية الإسبانية التي أثرت في العمل، لأنهم اعتبروا الرواية تعبيرا عن الهوية الإسبانية الأصيلة دون الحاجة إلى تتبع روافدها الثقافية الأخرى.
وتطرق المحاضر إلى الجدل القائم حول أصول ميغيل دي ثيرفانتس، قائلا إن بعض الروايات تذهب إلى أنه كان من أصول موريسكية، مضيفا: "أنتم في موريتانيا تعرفون الموريسكيين، لأن جزءا منهم استقر في جزر الكناري، وكانت لهم صلات بالموريتانيين وسكان الكناري".
وأشار إلى أن أصول ثيرفانتس المحتملة ومعرفته المباشرة بالعالم العربي قد تفسران توظيفه لمفردات عربية وإظهار إلمام واسع بالثقافة الإسلامية. كما ذكر أن مؤلف "دون كيشوت" شارك في معارك سنة 1571 بالجزائر، ويقال إنه أمضى فترة من الأسر في شمال الجزائر، وهو ما عزز احتكاكه بالمجتمع والثقافة العربيين.
وأضاف أن ثيرفانتس كان من هواة إدماج القصص داخل رواية واحدة، وهي تقنية سردية تشبه ما نجده في "ألف ليلة وليلة"، كما أظهر معرفة بسير عربية مثل سيرة عنترة بن شداد، متسائلا عن الكيفية التي اطلع بها على تلك المرويات واستثمرها في عمله الأدبي.
ولفت الباحث الإسباني إلى أن ثيرفانتس أبدى في أكثر من موضع تعاطفا مع الثقافة العربية والمسلمين ومعاناة الموريسكيين، مؤكدا أن "القارئ الفطن يستطيع أن يلتقط انتقادات ضمنية وجهها المؤلف للطريقة التي عومل بها الموريسكيون".
وفي سياق حديثه عن التأثير العربي في إسبانيا، قال ڭوميز بينيتا إن دولة المرابطين أدخلت العملة الذهبية إلى الأندلس، وعرفت آنذاك باسم "العملة المرابطية"، في دلالة على الدور الاقتصادي والحضاري الذي اضطلعت به الدولة المرابطية في تاريخ شبه الجزيرة الإيبيرية.
وأكد أن أثر العربية لا يزال حاضرا في اللغة الإسبانية المعاصرة، مشيرا إلى أن ميغيل دي ثيرفانتس أظهر وعيا لافتا بالأصول العربية للكلمات، الأمر الذي يثير التساؤل حول امتلاكه معرفة لسانية متقدمة بالنسبة إلى عصره. وأضاف أن المؤلف كان يعتبر أن الكلمات الإسبانية التي تبدأ بأداة التعريف العربية "الـ" تحمل في الغالب جذورا عربية، مستشهدا بعدد من الألفاظ المتداولة في الإسبانية ذات الأصل العربي، من بينها كلمة "الوزير"، فضلا عن كلمات وتعابير أخرى مثل "الصلاة" و"الويل"، التي ما تزال حاضرة في اللسان الإسباني.
وختم الباحث بالتأكيد على أن مقارنة "دون كيشوت" بكتب أوروبية معاصرة لها تكشف فروقا واضحة، مردها إلى تأثر الرواية بالتراث الشعبي العربي وأدب الفروسية العربي، فضلا عن توظيفها عددا كبيرا من الحكم والأمثال ذات الأصول العربية، والتي قدرها بنحو 35 مثلا، من بينها: "الضحك بلا سبب من قلة الأدب"، وأمثال أخرى تعكس عمق التداخل الثقافي بين الضفتين، مثل قوله إن "الشر قد يدخل من الباب بينما يدخل الخير من النافذة".

