الإعفاء الجمركي الصيني على الصادرات الإفريقية: نحو إعادة تشكيل العلاقة الاقتصادية بين إفريقيا والصين
الإعفاء الجمركي الصيني على الصادرات الإفريقية: نحو إعادة تشكيل العلاقة الاقتصادية بين إفريقيا والصين
يشكل قرار جمهورية الصين الشعبية بإلغاء الرسوم الجمركية على وارداتها من الدول الإفريقية تحولا استراتيجيا عميقا في بنية التجارة الدولية، ويعكس توجها جديدا في العلاقات الاقتصادية بين الجنوب والجنوب، في سياق عالمي يتسم بتصاعد النزعات الحمائية، و قد دخل هذا القرار حيز التنفيذ ابتداء من فاتح مايو 2026، ليشمل 53 دولة إفريقية تربطها علاقات دبلوماسية مع الصين، مع إلغاء شبه كامل للرسوم على مختلف السلع الإفريقية .
• و لا تقتصر أهمية هذا القرار على أبعاده الاقتصادية فحسب، بل يعبر في جوهره عن تنامي علاقات الصداقة و التكامل بين الصين و الدول الإفريقية، كما ينظر إلى هذا القرار بوصفه نتيجة حتمية، لانخراط الدول الإفريقية في المبادرات الرائدة التي أطلقتها الصين في بحثها عن نظام عالمي جديد يقوم على التعاون و الشراكة، بدل الصراع و المواجهة، حيث نجحت الصين في العقد الأخير بقيادة الرئيس شي جينغ بينغ، بإطلاق مبادرات عالمية مهمة، من أبرزها:
مبادرة الحزام والطريق
• و هي مشروع ضخم للبنية التحتية والربط التجاري والاقتصادي بين آسيا وإفريقيا وأوروبا.
مبادرة الحضارة العالمية )GCI
و تدعو إلى احترام التنوع الحضاري، و تعزيز الحوار و التبادل الثقافي، و الدفاع عن القيم الإنسانية المشتركة
• مبادرة التنمية العالمية (GDI
و تهدف إلى تعزيز التنمية المستدامة والقضاء على الفقر.
و التعاون في مجالات الاقتصاد الرقمي، و الطاقة، والأمن الغذائي، والاستجابة للأوبئة.
• مبادرة الأمن العالمي (GSI)
و ترمي إلى إرساء قواعد الأمن والاستقرار العالمي، و رفض الهيمنة، ودعم الحلول السلمية للنزاعات، ومراعاة شواغل الدول الأمنية.
• مبادرة الحوكمة العالمية:
و تطمح إلى بناء نظام حوكمة دولي أكثر عدالة، يرتكز على المساواة في السيادة، و الامتثال للقانون الدولي.
و هي مبادرات تسعى في مجملها، إلى تطبيع العلاقات، و البحث عن فرص الاستثمار و التبادل البيني العادل، دون شروط و لا إملاءات.
و سنتطرق في هذا المقال بشكل مختصر إلى أهمية الإعفاء الجمركي الذي أقرته الصين على وارداتها من الدول الإفريقية، و النتايج المتوقعة منه، و كيف يمكن للدول الإفريقية، و موريتانيا بشكل خاص الاستفادة من هذه التسهيلات على النحو الأمثل.
أولا: أهمية الإجراء في السياق الدولي
يكتسي هذا الإجراء أهمية خاصة لعدة اعتبارات من أهمها:
1. تكريس انفتاح اقتصادي غير مشروط؛ و يتميز النموذج الصيني في هذا المجال بكونه لا يفرض شروطا سياسية أو متطلبات المعاملة بالمثل، خلافا للعديد من السياسات التجارية الغربية، مما يمنح الدول الإفريقية هامشا أوسع للمناورة الاقتصادية .
2. مواجهة الحمائية العالمية
يأتي القرار في وقت تتجه فيه قوى اقتصادية كبرى إلى تشديد القيود التجارية، ما يجعل السوق الصينية واحدة من أكثر الأسواق انفتاحا أمام المنتجات الإفريقية،
3. تعزيز الشراكة الاستراتيجية الصينية-الإفريقية
الصين هي الشريك التجاري الأول لإفريقيا، حيث بلغ حجم التبادل التجاري نحو 348 مليار دولار سنة 2025 ، ما يجعل هذا الإعفاء أداة لتعميق هذا الترابط.
ثانيا: النتائج المتوخاة على المستوى الإفريقي
يتوقع أن يحقق هذا الإجراء جملة من النتائج الهيكلية منها:
1. رفع تنافسية المنتجات الإفريقية
إلغاء الرسوم (التي كانت تتراوح بين 8% و30% لبعض السلع) سيؤدي إلى خفض الأسعار النهائية للمنتجات الإفريقية داخل السوق الصينية، وبالتالي تعزيز قدرتها التنافسية .
2. تحفيز التصنيع المحلي
من المرجح بل من المفروض أن يشجع القرار على توطين الصناعات التحويلية داخل إفريقيا، حيث ستسعى الشركات إلى الاستفادة من النفاذ المعفى من الرسوم نحو السوق الصينية.
3. إعادة التوازن في الميزان التجاري
تعاني إفريقيا من عجز تجاري مع الصين، ومن شأن هذا الإجراء أن يدعم زيادة الصادرات الإفريقية وتقليص هذا الاختلال.
4. جذب الاستثمارات الأجنبية
الإعفاء الجمركي يشكل حافزا للاستثمارات الصينية في القطاعات الإنتاجية الإفريقية، خاصة في مجالات التعدين والطاقة والبنية التحتية.
ثالثا: الفرص المتاحة لموريتانيا
تتمتع موريتانيا بمزايا نسبية تجعلها من أبرز المستفيدين المحتملين من هذا القرار، بالنظر إلى طبيعة صادراتها نحو الصين و التي تشمل الصيد البحري، إضافة إلى المواد الأولية، من المعادن المختلفة:
1. قطاع الصيد البحري
الأسماك الموريتانية، التي تتمتع بجودة عالية، و تصدر إلى مختلف الدول و في طليعتها جمهورية الصين الشعبية ، و ستستفيد بلا شك، من انخفاض التكلفة الجمركية، مما يعزز حضورها في السوق الصينية التي تشهد طلبا متزايدا على المنتجات البحرية.
2. الحديد والمعادن
تعد موريتانيا من كبار منتجي خام الحديد في إفريقيا، من خلال عملاق الاقتصاد الموريتاني "شركة اسنيم" و تعتبر الصين من أكبر المستوردين للحديد الموريتاني الخام، ومع الإعفاء الجمركي، ستزداد جاذبية الحديد الموريتاني مقارنة بمنافسيه، خاصة في ظل اعتماد الصين الكبير على المعادن الإفريقية التي تمثل جزءا مهما من وارداتها .
3. المعادن النادرة (التربة النادرة)
تكتسب هذه الموارد أهمية استراتيجية في الصناعات التكنولوجية (البطاريات، الطاقة المتجددة، الصناعات الإلكترونية). ومن شأن تسهيل ولوجها إلى السوق الصينية أن يعزز مكانة موريتانيا في سلاسل القيمة العالمية، و يغري الشركات الصينية بالاستثمار في موريتانيا.
4. فرص التصنيع والتحويل
تثمل خطوة الإعفاء من الجمركة فرصة نادرة للدول المستفيدة و يمكن لموريتانيا أن تستفيد من هذا القرار عبر:
• تطوير صناعات تحويلية للأسماك والمعادن
• جذب استثمارات صينية لإنشاء وحدات إنتاج محلية
• الانتقال من تصدير المواد الخام إلى تصدير منتجات ذات قيمة مضافة.
في المحصلة، يمثل الإعفاء الجمركي الصيني على الصادرات الإفريقية فرصة تاريخية لإعادة تموقع الاقتصادات الإفريقية داخل النظام التجاري العالمي. كما يفتح بابا كبيرا من أجل التوجه إلى الصين و تعزيز الشراكة معها، و استغلال الفرص التي تمنحها لأصدقائها في القارة السمراء.
وبالنسبة لموريتانيا، التي تربطها علاقات صداقه متجذرة و مثمرة مع جمهورية الصين الشعبية؛ فإن حسن استغلال هذا القرار يتطلب رؤية استراتيجية تقوم على تثمين الموارد الطبيعية، وتطوير الصناعات التحويلية، وتعزيز الشراكات الاستثمارية، مع أصدقائنا في الصين؛ فالإعفاء الجمركي، في حد ذاته، ليس غاية، بل أداة—والنجاح الحقيقي يكمن في تحويله إلى رافعة للتنمية المستدامة، وليس مجرد قناة لتصريف المواد الخام.
سيد محمد ابهادي
مهتم بالعلاقات الموريتانية الصينية

